التشدد الديني والتعصب المناطقي أكبر الأخطار على المجتمع
من وقت لآخر أفكر بما يحدث حولنا من متغيرات اجتماعية وظهور فتوى خارجة عن الكتاب والسنة وإجماع الأمة أتساءل ما الأسباب التي أدت لهذا التغير السلبي في حياة المجتمع الذي كان يمتاز بالتعاون والتلاحم والمساعدة والوقوف جنباً إلى جنب دون النظر للمناطقية والمذاهب، كان شباب هذا الوطن يجيدون القصيد بالوطن ويتغنون بالوطن يفزون من أجل الوطن يقدمون الإنجازات من أجل رفع العلم عالياً في سماء، كان شبابنا يثابرون للنجاح بمجموع عال ليلتحقوا بكلية الطب، الهندسة، العلوم والإعلام والتقنية، يسعون ويثابرون للالتحاق بالكليات العسكرية، اتصفنا بالمجتمع المعتدل فكانت لنا بصمة حسنة في نفوس العالم كان أفراد المجتمع يتأقلمون مع أبناء الجنسيات العربية والغربية لا تختلف طرق التعامل معهم تحترم ثقافتهم تحترم عاداتهم وتقاليدهم كما أنهم أيضاً يحترمون ثقافتنا وعاداتنا وتقاليدنا فأخذوا بها وأصبحوا منا، أعرف العديد من أبنائنا الجاليات العربية التي أتت إلى المملكة منذ زمن طويل فأصبحوا متطبعين بطباع أهل البلد. ثقافتنا العربية الأصيلة تعد رمزاً وديننا الإسلامي الذي أمرنا بحسن التعامل وحسن الحديث وحسن التصرف مع الجميع، ديننا الإسلامي نهى عن الكذب نهى عن الاقتتال نهى عن التعدي على حقوق الآخرين في ديننا الحنيف مبادئ كثيرة حسنة نسيناها بل تجاهلناها فاكتسبها الغرب منا فأصبحوا مميزين بحسن التعامل مع الآخرين ودودين لطيفين في حديثهم في عملهم في تعاملهم مع جميع الأفراد، أستشهد بقول العلامة الشيخ محمد عبده حين قال (رأيت إسلاماً بلا مسلمين وهنا رأيت مسلمين بلا إسلام) للأسف الشديد حدثت هناك متغيرات أساءت لمفاهيم الدين فتحولت إلى أفكار قتالية إلى فكر شرس فكر يراد به الانتقام فكر يقصده معتنقه أنهم هم وحدهم أنصار الدين وأن صوتهم هو الصوت القوي المفروض على الجميع يستخدمون الدين لتمرير أفكارهم الهدامة يستخدمون الدين لشحن الشعائات يستخدمون الدين للتحليل والتحريم، يحملون في فكرهم في آرائهم أن من اختلف معهم كافر صاحب زندقة، لم نكتف عند هذا الحد بل تمادى الكثير من جهلة الدين فحرموا وأفتوا بفتاوى لم ينزل الله بها من سلطان حرموا الفرح والسرور شككوا في أعمال العباد الدينية وصفوا الأعمال التي لا تتماشى مع أفكارهم بأنها بدعة، أفتوا بالتحريم على ما كان عليه الآباء والأجداد وكأنهم لم يكونوا على الشريعة الإسلامية، نجدهم حرموا العرضة (رقصة الحرب) التي فيها الشجاعة والقوة والبسالة والتي يفتخر بها الأجداد والآباء، يؤدونها في كل فرح في كل مناسبة سعيدة في أعيادهم في مناسبة الزواج يؤدونها حين يرزق الشخص بمولود.
العجيب في الأمر أن من يطلق تلك الفتاوى نجدهم من قليلي العلم بأمور الدين ولا دليل من الكتاب والسنة، بل نجدهم أتوا به من خلال استماعهم لأشرطة بعض المتشددين الذين وصل بهم الأمر للغلو الذي حذرنا منه قدوتنا نبينا عليه الصلاة والسلام وقال (إياكم والغلو فإنه قد أهلك من كان قبلكم). وعجباً لأمرهم فلم تقف فتواهم الصادرة من عقول خاوية عند أمر معين بل نجد فتواهم طالت حتى المواد الدراسية فأجاز بعضهم الغش في مادة اللغة الإنجليزية لأنها لغة الكفار على حد قولهم، أليس الغش حراما وحذرنا منه نبينا عليه الصلاة والسلام قائلاً "من غشنا فليس منا"؟
منذ فترة ليست ببعيدة كنا نجد في أمور المجتمع كله خيراً، الجميع يسعون للتواصل يسعون للصلح بالخير يسعون للتعليم يسعون للحفاظ على حرمة الطريق على تقديم المساعدات فيما بينهم الجميع، كانت الأسرة الواحدة تجتمع على تناول الوجبة في البيت الواحد يطمئنون على البعيد والقريب، اليوم أصبحت العائلة تتفكك بسبب الفتاوى التي حرمت اللقاء العائلي والسؤال عن الأقارب بحكم أنهم حرام عليك فأصبح الكثير من المجتمع يبتعد عن الأقارب بحكم أنهم حرام عليه فلم يعد هناك سؤال وتواصل. هناك زمرة غيرت مفاهيم الدين وجعلت كل ما هو جائز حراما، جعلوا كل شيء جميل في حياتنا حراماً استبدلوا الأفراح بالأحزان وأطلقوا أن الاحتفال بالأفراح حرام وحولوا الفرح إلى مآتم إلى حديث عن عذاب القبر وهول يوم القيامة وسكرات الموت فأصبح الفرح حزناً وأصبح الضحك بكاء وانقلب السرور إلى هم، أفتوا بأن الاحتفال في الأفراح حرام وأن ذلك جهل على حسب فتواهم، حين أرجع بالذاكرة لفترة ماضية جميلة عند قيام الأقارب بزيارة لنا في منزلنا فنقابل زوجات أعمامي ونتقدم بالسلام عليهن والسؤال عن حالهن ونقبل رؤوسهن لما لهن من مكانة عالية ومالهن من منزلة تماثل منزلة الوالدة -أطال الله في عمرها- يهنئوننا أنا وإخوتي بنجاح يقدمون لنا النصح يسألون عندما نمر بأزمة صحية حين نتغيب عن المدرسة كنا جميعاً عائلة واحدة وفجأة وضع بيننا وبينهم حجاب بحكم أن الدين لا يسمح بالكشف وأن كشف الوجه حرام وهذا الشاب لا يجوز الكشف عليه وما هذه سوى أحكام مصرحة من قبل المتشددين فأصبح هناك غربة بين الأقارب وقد لاحظت هذا في الوقت الحاضر من بعض صغار السن الذين يرفضون السلام على زوجات أعمامهم أو خوالهم ويرون هذا حراماً وأن تلك المرأة أجنبية لا يحق السلام عليها ولا يحق السؤال عنها وهذا نتيجة الفكر الذي نشأ عليه ذلك الطفل أو الشاب الصغير، من غير أفكار مجتمعنا وثقافته وحوله من مجتمع متعاون مجتمع واحد إلى مجتمع متعصب متشدد متناحر؟!
ثم لا يتوقف الفكر الخفي السيئ المخيف فنجد أيضاً الفكر المناطقي الذي يميز منطقة على منطقة أخرى وما له من عواقب اجتماعية وأمنية وتهميش للهوية الوطنية التي هي رمز لكل إنسان ينتمي لأرض ووطن ولعل ما نسمعه ونشاهده من قصائد فوضوية تبين لنا ما في القلوب وما هو إلا تجديد للعنصرية والحقد البغيض واللسان محك القلوب، وللأسف الشديد تسرب الفكر المناطقي لجامعاتنا ومعاهدنا وأماكن المصلحة العامة (العمل) فلم يعد هناك حديث سواء عن شجاعة القبائل والحروب القبلية والعودة للتاريخ القبلي وتهميش تاريخ الوطن التاريخ الذي يجب أن يفتخر به والذي هو مجد لكل مواطن تاريخ الوطن هو مجد لنا أمام الأمم الأخرى، فما شاهدناه في برامج المسابقات الشعرية وما تنقله لنا القنوات الفضائية الشعبية والتي أجد من أهدافها تعظيم الهوية القبلية على الهوية الوطنية أمر يوضح تمسكاً بالقبيلة على حساب الوطن وهذا من خلال ما نقرؤه من الرسائل التي تبث في شريط القناة مؤسف أن نصل لهذا الأمر، السؤال الذي يطرح نفسه ما هي الأسباب في هذا التحول الفكري في إحياء المفاخرة بالقبيلة وإعادة تاريخ الصراعات القبلية الدفينة؟ لماذا لا نشجع على أن يكون الشعر في الوطن في شهداء الوطن في إنجازات الوطن في إعمار الوطن، لا نفتخر بأمجاد القبيلة الفلانية ولا في ابن القبيلة الفلانية على حساب القبائل الأخرى.
نهيب بعلمائنا الأفاضل أصحاب النهج المعتدل الحرص على نشر الفتاوى المعتدلة وتحذير المجتمع من أخذ الفتاوى ممن يدعون أنهم أصحاب فضيلة والذين نلاحظ انتشارهم في الأماكن العامة ويصفون بأنهم علماء، ثم نهيب برجالات التربية والتعليم محاربة الفكر الخفي والفكر المناطقي المتسرب لمراكز صناعة الأجيال القادمة، نهيب برجالات الإعلام أن يقفوا صفاً واحداً ضد ما يمس الهوية الوطنية من برامج شعرية وعنتريات قبلية.
نهيب برجالات الثقافة في وطننا الحبيب أن يتصدوا لكل ما يمس ثقافة الوطن الواحد ومن يهيم في اختلاف الثقافة الوطنية وتقسيمها إلى ثقافات مناطقية، نهيب بمشايخ القبائل تحذير أبنائهم من التعصب القبلي وأن الجميع أبناء وطن واحد، نهيب بشباب هذا الوطن وبناته أن يعملوا لرفع راية الوطن في محافل التعليم في تمثيل الوطن خارج حدوده خير تمثيل بأخلاقهم وبعلمهم، بتقديم الوطن أجمل تقديم وتغيير الصورة السيئة في أذهان المجتمعات الأخرى عن هذا البلد وشعبه الكريم وأن نفتخر بالمملكة العربية السعودية "مملكة الإنسانية".