هذا مقال نشر أخيرا لكاتبة مصرية اسمها ليلى تكلى . أقرأوا وقولوا رأيكم
منذ سنوات طويلة شاركت في مؤتمر عقد في ليبيا لقيادات الشباب العربي. كنا
طلبة يملؤنا الحماس والرغبة في المعرفة والنهوض بأوطاننا, كان المحاضرون الذين استمعنا إليهم وتأثرنا بهم نخبة من العمالقة منهم الدكتور أحمد صدقي الدجاني, والدكتور خلاف, بهرت بهذه الثروة البشرية العربية, وما تتصف به من ثقافة وعلم ومعرفة ومنطق, وفي نهاية اللقاء طلب منا كتابة ورقة. كتبت بحثا بعنوان الولايات العربية المتحدة كان أملا بدا وكأنه, وإن كان بعيدا إلا أنه متاح, سجلت بفخر واعتزاز إمكانات عالمنا العربي وثرواته البشرية والطبيعية والجغرافية التي تمثل تكاملا تاما لمصادر القوة ومصادر الرخاء واستشهدت بالتاريخ.
إيطاليا قبل جاريبالدي كانت مدنا متناثرة متصارعة ضعيفة متخلفة, وألمانيا قبل بسمارك كانت مقاطعات مفككة وإمارات متصارعة لكنها اصبحت قوي دولية يحسب لها حساب بسبب قادة اتفقوا. وشعوبا تفانت وعملوا معا بجدية ومثابرة, ألهبوا الشعوب وألهموا العقول, جمعوا بين قوة الوطنية والمبادئ الإنسانية فحققوا بشعوبهم وحدة بلادهم, استشهدت بالتجربة الإيطالية إذ كنت رأيت يوما في جزيرة شبه جرداء قرب ساردينيا مزارا يقصده الإيطاليون,
حيث يقف ضابط شرف ليل نهار امام قبر منحوت من الرخام عليه كلمة واحدة هي صفحات كاملة من تاريخ مشرق. انه اسم اصبح رمز دولتهم الموحدة جاريبالدي, ذلك المحارب الذي عاش ومات من أجل تحقيق حلم وحدة إيطاليا, ركب البحر وعمره16 عاما وامضي حياته ما بين البرازيل وسان مارينو والصين واورجواي والمغرب ونيويورك ولندن, حارب بجوار كل صاحب حق يريد تحرير بلاده وكل من يعمل من أجل تحقيق حلم ايطاليا, طلب إبراهام لنكولن معونته بعد أن خسر معركةbullrun لكنه اشترط اصدار وعد بتحرير العبيد وإلا فإنها حرب داخلية لا دور له فيها, عرض عليه الملك فيكتور إيمانويل احدي الإمارات وقصرا وقلعة ومالا, رفضها جميعا بعد أن نجح في مهامه واتحدت إيطاليا, ذهب ليعيش حياة جافة في كابريرا. عرض عليه البرلمان الإيطالي معاشا كان يحتاجه ويستحقه, لكنه لم يقبله إلا بعد إلحاح استمر سنة, كانت قصة نجاحه وكفاحه تملأ وجداني.
تذكرت وذكرت بسمارك ولد1815 عندما كان ذلك الجزء من أوروبا المعروف الآن باسم ألمانيا عبارة عن39 دويلة مستقلة, بعضها لا يزيد علي بضعة كيلومترات يحكمها مجموعة من الملوك النبلاء يجمع بينهم مجلس صوري ضعيف تسوده صراعات ولا سلطات له, ثم ظهر بسمارك السياسي الداهية الذي أعلن أن ألمانيا الموحدة لن يصنعها الكلام إنما العمل والانضباط, برغم صلابته العسكرية رفض شرف الالتحاق بالجيش البريطاني في الهند لأنه اكتشف أن الهنود لم يسيئوا إليه أبدا أدت سياساته إلي الحرب مع النمسا ثم مع فرنسا ووصل إلي إدماج الدويلات وقبول ملك بروسيا امبراطورا لها. وبنهاية القرن الـ19 كانت دولة موحدة مستقلة تتمتع بنظام إداري فائق الكفاءة, ونهضة صناعية وتقدير كبير للعلوم والمعرفة ومكانة ونفوذ في أوروبا.
حتي الولايات المتحدة الدولة القوية المسيطرة ـ حاليا ومؤقتا ـ وصل الصراع بين ولاياتها حد الحرب الأهلية الضارية التي استمرت أربع سنوات سقط فيها الآلاف وتركت دمارا مفزعا وخسائر هائلة.. نجح في حسمها لنكولن الذي ولد في أسرة فقيرة وعاش حياة حرمان وتقشف, بدأ يعمل ويدرس وهو طفل وكان لا يكف عن القراءة, كان متحدثا لبقا دخل عالم السياسة وبرع فيها بصدقه وإنسانيته, قام بمصالحة الشمال والجنوب وبدأ بمصالحة الأسود والأبيض. وهناك التحرك الأوروبي الذي نجح برغم الصعاب في سعيه نحو الاتحاد بين دول خاضت حروبا استمرت مائة سنة.
,,,,*
إن الوحدة هدف العاقلين منذ فجر التاريخ, منذ قام مينا فرعون مصر بتوحيد القطرين مازالت مصدرا للقوة, أملا سياسيا إنسانيا. بذلك كان يقيني أن الفرصة أمامنا متاحة فلسنا أقل ممن حققوها, كنت في تلك المرحلة أحيانا أغمض عيني لأسرح في حلم جميل, أو اتطلع إلي خريطة العالم, العالم العربي وأتصور هذه الولايات العربية المتحدة التي تزدهر بالمعرفة وتزخر بالعلم, تقوم علي أساس المساواة والتنوع واحترام الفرد والإنسان وثقافته ومعتقداته الدينية ومذاهبه السياسية المتعددة, دولة تقوم علي رصيد من الحضارة ومن أعرق ثقافات العالم: الفرعونية والفينيقية وثقافة اليمن والامازيج,
دولة تعطي مثلا لسيادة المبادئ الإنسانية ليس المادية, تجمع ولاتفرق, تساند ولاتتسلط.. ويستمر التصور والأمل يرسم صورة رائعة متكاملة, وجاءت الوحدة مع سوريا وقلنا لعلها بادرة؟ وحاول المغرب العربي اللقاء والتقارب, قامت الشعوب العربية تطالب بالحرية والمساواة والعدل والاستقلال, وشاركت في ذلك كل القوي وكل الطوائف, تساندت وتعاونت وكان لمصر دور كبير في بناء المجتمعات العربية تعليميا وثقافيا, وطنيا وسياسيا, كتب اساطين القانون في مصر الدساتير العربية وانشأوا المحاكم والمؤسسات الإدارية, أمدتهم مصر بالمدرسين والاطباء والاخصائيين والخبراء والعمال بعثت لهم الشيوخ والقساوسة وافتتحت الجوامع والكنائس تدعو للتضامن والاصالة وأن العمل عبادة ولا إكراه في الدين وتعمل علي نشر السلام واجتمع العرب في جامعة تسعي لتوحيد صفوفهم.
,,,,*
ثم مرت خمسون عاما علي الوحدة وبلغ عمر الجامعة العربية63 عاما استرجعت الذاكرة ذلك الحلم وذلك التاريخ وأنا أنظر حولي في مؤتمر الإصلاح العربي الخامس الذي عقدته مكتبة الإسكندرية, بدا لي وكأن هناك بعضا من أمل, رأيت قوة بشرية هائلة وجمعا من المفكرين المستنيرين.. أفكار وأهداف ومعرفة.. ونظرت إلي خريطة العالم العربي.. وياهول مارأيت.. وللحديث بقية