(لبيك)
كلمة ذات إيقاع روحي بديع، يشعر المتأمل لها أنها ترسم في آفاق الكون أجمل لوحات الطاعة والولاء لخالق الأرض والسماء، وأنها تنشر في الأرجاء أجمل الأشذاء.
لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إنَّ الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك) هذه المقطوعة المكتنزة بالجمال والجلال، وبالخضوع لرب العزة والجلال، وباللجوء إلى العظيم المتعال، توحي بأننا أمام فريضة عظيمة تتقاصر دون وصفها أعناق الكلمات، وتصغر أمام دلائلها أفصح العبارات، إنها فريضة الحج الأكبر التي تفتح للدنيا الراكضة في دروب زينتها ولهوها، ومظاهرها وبريقها، ولذائذها المؤقتة، ونعيمها الزائل؛ تفتح لهذه لدنيا نوافذ الإيمان، حيث يهب منها على قلوب المؤمنين نسيم الراحة والهدوء، والسعادة الصفاء.
(لبيك اللهم لبيك) تلْبية بعد تلبية، وطاعة تمسك بزمام طاعة، واستجابة تجر وراءها استجابة، ولجوء يصطحب معه لجوءاً، وخضوع لله تعالى يتلوه خضوع، تكرار بديع لعبارات مشرقة المبنى والمعنى، تكرارٌ يفيد - من حيث اللغة - أنه لا يتوقف، فهو يتكرَّر عاماً بعد عام، وهو يزداد جمالاً وجلالاً مع هذا التكرار، لا يملُّ منه القلب، ولا تسأم منه النفس، ولا يستثقله الإحساس.
(لبيك اللهم لبيك) معزوفة روحية خالية من الخداع والنفاق، لأنَّ قائلها يتجرَّد من كل شيء له علاقة بمظاهر الدنيا الفانية، فالمقام مقام صدق وإخلاص، مقام يقين وإيمان، مقام خشوع وخضوع.
(لبيك اللهم لبيك) تلهج بها ألسنة استجابت لنداء ربها، فأتت أو أتى أصحابها متجرّدين من كل لباسٍ ورياشٍ، خارجين من بريق مظاهر دنياهم، إلى إشراق فجر أخراهم، لباسهم (الإحرام) إزارُ ورداء، يؤكدان أنَّ لابسهما قد خرج من دائرة متع الحياة ولذائذها، وألْقى عن كاهله ثقل التكلُّف والمبالغة والإفراط في زينة الحياة الدنيا، وأصبح مع مئات الآلاف من البشر على صعيد واحدٍ، يرددون بلسان واحد، جملة واحدة يشتركون في تكرارها (لبيك اللهم لبيك).
يا لها من صورة لهذه العبادة الجليلة، عبادة الحج ليس لها نظير!!
أين الكبير من الصغير، وأين الغني من الفقير، وأين العامل من الأمير؟! كلهم هنا سواء، إزارٌ ورداء، واتجاه إلى ربِّ الأرض والسماء، وأصوات تختلط ببعضها مردِّدة (لبيك اللهم لبيك).
هكذا تبرز هذه الصورة العظيمة كلَّ عام، ويذهب بعظمتها وجلالها البيت الحرام، والمشاعر المقدسة التي تظلُّ متفرِّدة بعظمة (الحج الأكبر) تفرّداً لا ينافسها فيه منافس، ولا يشاركها فيه مشارك.
إنها التَّلْبية بكل دلالاتها اللغوية الراقية، بكل إيقاعاتها الروحية الجميلة المتناسقة، تنساب من القلوب إلى الألسنة، لترتفع في الآفاق أنغاماً لا نظير لها جمالاً وجلالاً وإبداعاً.
(لبيك) أي: لبَّى لك قلبي، وروحي، ودمي ولحمي وعظمي، لبَّى لك عقلي ووجداني، لبَّى لك إحساسي، ولبَّتْ لك كلُّ ذرة من ذرَّات جسمي وروحي، لأنك الله الواحد الأحد الذي لا شريك لك.
(لبيك) ما أعظمها من معزوفة تطرب القلوب!
المصدر :
بقلم د . عبد الرحمن العشماوي .
صحيفة الجزيره .محليات . دفق قلم .
السبت 07 ذو الحجة 1426 هـ 07 يناير 2006 م العدد 12154